أحمد بن يحيى العمري
86
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
المهدي المبشّر به ، وذلك سنة [ ص 40 ] خمس عشرة وخمس مائة ، فلما صعد الجبل رأى زرقة في أبنائهم ، فقال : من أين هذه الزرقة في بنيكم ؟ قالوا علوج ابن تاشفين ، تأتينا فتأخذ النساء وتنهب الأموال ، فقبّح هذا وأكبره ، وأمرهم بمنع ما كانوا يؤدونه ، وقتل من أبى منهم ، وظهرت على يده خوارق ، يقول أولياؤه إنها كرامات ، ويقول أعداؤه إنها مخاريق ميز في أهل الجبل المنافقين ، وقال : قد عرّف بهم ، يعني يكشف ، ثم أخذ يضرب عنق كل متلو عليه فيشتد له أمر الجبل ، وطفق يغزو بهم بلاد ابن تاشفين ، وكانت عليه أول مرة ، فطيّب قلوب أصحابه ، وعرّفهم أن الكرّة لهم . قلت : وله التصانيف المفيدة النافعة لمن تعلم الجامعة ، في بعضها محاسن ما تقدم ، واستفسد بالغرب أمما ، بل استصلح واستبهم أمره بالكتمان حتى استصبح ، ثم حارب لمتونة « 1 » ، واستحوذ على ملكهم بلا مؤونة ، لكنه مات وما فتح بلدا شهيرا ، ولا معقلا منيعا اتخذه ظهيرا ، وكان قد عهد إلى عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي « 2 » ، وكان أخص أصحابه المعتبرة لصحابته ، وأقرب
--> ( 1 ) قبيلة من قبائل المغرب . ( 2 ) عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلى بن مروان : أبو محمد الكومي ، أمير المؤمنين ، مؤسس دولة الموحدين في المغرب وإفريقية وتونس ، نسبة إلى كومية من قبائل البربر ، ولد ونشأ في تاجرت قرب تلمسان ، وطلب العلم ، وحج والتقى بابن تومرت فتصادقا ، ولما ولي ابن تومرت ملك المغرب الأقصى جعل لعبد المؤمن قيادة جيشه ، واختصه بثقته ، ولما توفي ابن تومرت اتفق أصحابه على خلافة عبد المؤمن ، فتم له الأمر سنة 524 ه ، ودعي بأمير المؤمنين سنة 526 ه ، ونهض للغزو والفتوح فقاتل الملثمين ( بني تاشفين ) وقتل آخرهم إبراهيم بن تاشفين ، ودخل مراكش وجاءته بيعة أهل الأندلس ، كان عاقلا حازما شجاعا موفقا ، محبا للغزو والفتوح ، عظيم الاهتمام بشؤون الدين ، خضع له المغربان الأقصى والأوسط ، توفي في رباط سلا في طريقه إلى الأندلس مجاهدا سنة 558 ه . ( ابن خلدون 6 / 229 ، الاستقصاء 1 / 139 ، ابن الأثير 10 / 201 ، 11 / 209 ، ابن خلكان 1 / 310 ، الحلل الموشية ص 107 - 119 ، الخلاصة النقية ص 55 )